عبد الله بن أحمد النسفي
114
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 14 إلى 17 ] قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 14 ) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ ( 15 ) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ( 16 ) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ ( 17 ) وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ أي يقال لهم استهزاء بهم : ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة ، أو ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم حتى يسألكم عبيدكم ومن ينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقولوا لكم بم تأمرون وكيف نأتي ونذر كعادة المنعّمين المخدّمين ، أو يسألكم الناس في أنديتكم المعاون في نوازل الخطوب ، أو يسألكم الوافدون عليكم والطّماع ويستمطرون سحاب أكفّكم ، أو قال بعضهم لبعض لا تركضوا وارجعوا إلى منازلكم وأموالكم لعلكم تسألون مالا وخراجا فلا تقتلون ، فنودي من السماء يا لثارات الأنبياء وأخذتهم السيوف فثمّ : 14 - قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ اعترفوا « 1 » حين لا ينفعهم الاعتراف . 15 - فَما زالَتْ تِلْكَ هي إشارة إلى يا ويلنا دَعْواهُمْ دعاؤهم ، وتلك مرفوع على أنه اسم زالت ، ودعواهم الخبر ، ويجوز العكس حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً مثل الحصيد أي الزرع المحصود ، ولم يجمع كما لم يجمع المقدر خامِدِينَ ميتين خمود النار ، وحصيدا خامدين مفعول ثان لجعل ، أي جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد « 2 » والخمود ، كقولك جعلته حلوا حامضا ، أي جعلته جامعا للطّعمين . 16 - وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ اللعب فعل يروق أوّله ولا ثبات له ، ولاعبين حال من فاعل خلقنا ، والمعنى وما سوّينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من أصناف الخلق للّهو واللعب ، وإنما سوّيناها ليستدلّ بها على قدرة مدبّرها ، ولنجازي المحسن والمسئ على ما تقتضيه حكمتنا ، ثم نزّه ذاته عن سمات الحدوث بقوله : 17 - لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً أي ولدا ، أو امرأة ، كأنه ردّ على من قال : عيسى ابنه ومريم صاحبته لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا من الولدان أو الحور إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ أي إن كنا ممن يفعل ذلك ولسنا ممن يفعله لاستحالته في حقنا ، وقيل هو
--> ( 1 ) في ( ز ) اعترافهم بذلك . ( 2 ) في ( ز ) الحصد .